ناظر الجيش

119

شرح التسهيل ( تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد )

قال في الصحاح ( 1 ) : « حلي بعيني وفي عيني - بالكسر - يحلى حلاوة إذا أعجب » قال : « وقولهم : لم يحل منه بطائل أي لم يستفد منه كبير فائدة ، ولا يتكلّم به إلّا مع الجحد » انتهى . ولا يظهر واحد من هذين المعنيين هنا ، فإن كان ( حلي ) يستعمل بمعنى : تحلّى بكذا أي اتصف به - فلا إشكال ، وإلا فقد يكون أصل التصنيف ، فقلما تحلّى ثم عرض التغيير للكلمة في الكتابة . ( وإذا كانت العلوم منحا إلهيّة ومواهب اختصاصيّة ، فغير مستبعد أن يدّخر لبعض المتأخّرين ما عسر على كثير من المتقدّمين ) . العلوم هنا جمع علم مرادا به اسم ذات المعلوم لا المصدر . ولذلك جمعه ، ويدّخر : يفتعل ، من دخر الشيء إذا أحرزه وحفظه . وهذا الكلام كالجواب عما هو كالسؤال المقدر ، وذلك أنه لما ادعى في كتابه دعوى يلزم منها أنه اشتمل [ 1 / 8 ] في هذا الفن على ما لم يشتمل عليه غيره ، والتزم للمقبل عليه بحصول أمله من هذا العلم ، آمرا له أن يتلقى كل ما يرد عليه منه بالقبول . توهم أن قائلا يقول : يبعد أن يفوق متأخر على متقدم ، وأن يأتي بمصنف لم يسبق إليه ، مع عظمة قدر من تقدم من علماء هذه الصناعة . فرد هذا الوهم بأن المواهب من الله عزّ وجلّ والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، لا مانع لما أعطى . وهذا الكلام وإن كان مطلقا بالنسبة إلى كل ذي موهبة من العلم ، فيه رمز وإشارة إلى أنه ، أعني المصنف - رحمه الله تعالى - من المتأخرين الذين ذخر لهم ذلك . وإنما ترك التصريح بذلك أدبا ؛ لأن الإنسان لا ينبغي له تزكية نفسه . فإن قيل : إذا كان الإنسان لا ينبغي له ذلك فكيف أشار إليه ولوح به ؟ قلت : لإيراده الكلام مورد الاعتراف ؛ فإن الله سبحانه وتعالى تفضل عليه بأن جعله من المختصين بمواهبه المشرفين بمنحه ، بعد إسناد المواهب كلها إلى الله تعالى ، وأنه يختص بها من أراد ، ففي طي كلامه إقرار بنعم الله تعالى عليه واعتراف

--> ( 1 ) هو كتاب الصحاح للجوهري ( توفي سنة 398 ه - ) ، معجم كبير من ستة أجزاء ومواده مرتبة على نظام القافية ؛ بل يعد هذا المعجم إمام هذه المدرسة . وانظر ما اقتبسه الشارح منه مادة حلا : ( 6 / 2719 ) طبعة بيروت . وقد حذف الشارح منه شيئا قليلا .